أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

106

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

من المسلمين . اليوم أصبحنا نعيش في عصرٍ الانحرافُ فيه عن رسالة مكّة هو القاعدة ، والعود إلى رسالة مكّة هو الاستثناء ، بعد أن تغيّر وضع العالم الإسلامي . العالم الإسلامي بعد أن خرج عن كونه كياناً قائماً على أساس الإسلام ودخل عصر الاستعمار الذي بناه على أساس القواعد الفكريّة الكافرة ، صبغه بأنظمته الكافرة ، دخل هذا العصر ، وكان بدخوله في هذا العصر كان يواجه تحوّلًا كبيراًفي كلّ وجوده ، في كلّ تركيبه العضوي ، الروحي ، الفكري ، السياسي ، الاجتماعي ، فأصبحت القاعدة فيه هي جاهليّة الغرب ، القاعدة فيه هي الانحراف عن الله ، هي الانقطاع عن السماء ، هي التمرّد على رسالة الله ، وأصبح الاستثناء فيه هو الطاعة ، الاستثناء فيه هو الالتفات إلى مكّة ، الالتفات إلى رسالة مكّة ، إلى قيم مكّة ومثل مكّة ، هذا أصبح هو الاستثناء ، وهذا معنى ما جاء في الصحيح عنهم ( ع ) حينما تنبّأوا أنّ المؤمن في عصور متخلّفة من عهد الغيبة سوف يصبح المؤمن القابض على دينه كالقابض على جمرة « 1 » . نعم ؛ المؤمن القابض على دينه كالقابض على جمرة ، لأنّ هذا استثناء ، لأنّ هذا شذوذ ، أصبح القبض على الدين ، وأصبح التمسّك بالدين ، أصبح الوقوف على هذا الخطّ دون ململة ودون تذبذب وتأمّل ودون تمييع أصبح هذا كالقبض على الجمرة ، يعني أصبح نوعاً من التضحية ولوناً من العذاب‌الذي يستعين به المؤمن الصحيح في سبيل الله تعالى ، لماذا ؟ لأنّه بهذا الصمود يواجه تيّاراً عظيماً كاسحاً ، هذا التيّار الذي غزا العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، لكن على مراتب مختلفة ، على درجات متفاوتة ، لا تتصوّروا أنّنا في منجى من هذا التيّار ، هذا التيّار يكتسح كلّ العالم الإسلامي ، لكن بهذه الدرجات . أنتم إذا أردتم أن تعلموا مصيرنا ونحن في العراق ، مصيرنا ونحن في مصر ، في إيران ، مصيرنا ونحن في أيّ جزء من العالم الإسلامي ، انظروا إلى أسرع بلاد الإسلام انفتاحاً على أوروبا ، انفتاحاً على حضارة أوروبا ، انظروا إلى تركياوما وصلت إليه تركيامن انفتاح على حضارة أوروبا والابتعاد عن الإسلام ، هذا البلد الذي كان من البلاد التي يحكم على العالم فكانوا أسرع انفتاحاً على حضارة أوروبا فكان مآله إلى ما ترون ، كانوا أقرب إلى الميوعة وأسرع ذوباناً منّا . إذاً فهناك تيّار جارف ، هذا التيّار الجارف يكتسح العالم الإسلامي وهذه العمليّة سوف تتكرّر ، وإنّما التفاوت تفاوت الزمن ، هؤلاء كانوا أكثر انفتاحاً منّا ، ولهذا كانوا أقرب إلى الميوعة وأسرع ذوباناً منّا . إذاً فهناك تيّار جارف لا بدّ من مقابلته والصمود في وجهه ، وهذا الصمود في وجهه هو معنى قوله إنّ المؤمن القابض على دينه كالقابض على الجمرة . فلا بدّ من الصمود في وجهه لأنّ الله تعالى وعد المؤمنين بالنصر ، فلا بدّ إذاً لكلّ إنسان أن يعمل قدر طاقته ، وقدر جهده وإمكاناته في سبيل الوقوف في مقابل هذا التيّار ، في سبيل أن يعطّل من سبيله ، ومن أبدأ أوليّات هذه الأساليب التي يمكن أن تتّخذ في هذا الموضوع هو إنشاء المجالس للتبليغ والوعظ والإرشاد في بلادنا . هل تصدّقون أنّه في النجف الأشرف نفسه ، في مركز الحوزة العلميّة في النجف الذي من المفترض فيه أن يموّن بإشعاعه الفكري والعلمي والروحي والديني أن يموّن كلّ العالم أو على الأقلّ كلّ العالم الإسلامي ، أو على الأقلّ كلّ العالم الشيعي ، النجف يوجد فيه آلاف من الناس لا يعرفون أحكام رسالتهم ، غير منفتحين على رسالة مكّة ، ولا على مبادئ مكّة ، منجرفون مع تيّارات أخرى ، أو جاهلون أو مقصّرون ، من الذي

--> ( 1 ) يقصد ( رحمه الله ) قوله لابن مسعود : « يا ابن مسعود ! يأتي على الناس زمانٌ الصابرُ فيه على دينه مثل القابض على الجمر بكفّه . . . » ( مكارم الأخلاق : 450 ) .